كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل ونادى: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن الخطاب؟ فلم يجيبوه، ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام (¬١) الإسلام بهم، فقال: أمّا هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدوَّ الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك ما يسوءك! فقال: قد كان في القوم مُثلة لم آمُر بها ولم تسؤني، ثم قال: اعْلُ هُبَل! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا تجيبوه (¬٢)؟» قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل»، ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم! قال: «ألا تجيبوه؟» قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» (¬٣).
فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته وبشِرْكِه تعظيمًا للتوحيد وإعلامًا بعزَّة من عبده المسلمون وقوةِ جانبه، وأنه لا يُغلَب ونحن حزبُه وجنده؛ ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ بل قد روي أنه نهاهم عن إجابته وقال: «لا تجيبوه» (¬٤)، لأن كَلَبَهُم (¬٥) لم يكن برد بعدُ في طلب القوم، ونارُ غيظهم بعدُ متوقِّدة؛ فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، حمي عمرُ بن الخطاب واشتد غضبه وقال: كذبتَ يا
---------------
(¬١) د، المطبوع: «قوام».
(¬٢) في المطبوع هنا وفي الموضع الآتي: «تجيبونه» خلافًا للأصول. و «تجيبوه» هكذا وقع في رواية أبي ذر الهروي لـ «صحيح البخاري». انظر: «إرشاد الساري» للقسطلاني (٥/ ١٦٠).
(¬٣) أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.
(¬٤) كما في روايةٍ عند البخاري (٤٠٤٣) لحديث البراء السابق.
(¬٥) أي شدة حرصهم. في المطبوع: «كَلْمهم»، تصحيف.

الصفحة 235