كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوِّهم، وقال: «لا يخرج معنا إلا من شهد القتال»، فقال له عبد الله بن أُبَي: أركب معك؟ قال: «لا»، فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القَرح الشديد والخوف وقالوا: سمعًا وطاعةً، واستأذنه جابر بن عبد الله وقال: يا رسول الله، إني أحب أن لا تشهد مشهدًا إلا كنت معك، وإنما خلَّفني أبي على بناته، فأْذَنْ لي أسيرَ (¬١) معك؛ فأذِنَ له (¬٢).
فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد (¬٣)، وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم (¬٤)، فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيُخَذِّلَه، فلحقه بالرَّوحاء ولم يعلم بإسلامه فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد وأصحابه قد تحرَّقوا عليكم وخرجوا في جمعٍ لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقول؟ قال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلُعَ أولُ الجيش من وراء هذه الأكمة، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم، قال: فلا تفعل فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة، ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تُبْلِغَ محمدًا رسالةً وأُوقِرَ لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟ قال: نعم، قال: أبلِغْ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرةَ لنستأصله ونستأصل أصحابه، فلما بلغهم قوله قالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ
---------------
(¬١) م، ق، ب: «أسِرْ».
(¬٢) ذكره موسى بن عقبة، كما في «دلائل النبوة» (٣/ ٢١٧).
(¬٣) ومن هنا قيل لها: «غزوة حمراء الأسد». وهي أرض بها جبل أحمر جنوب غربيِّ المدينة على قرابة عشرين كيلًا، ولا تزال معروفةً بهذا الاسم.
(¬٤) «فأسلم» ساقط من م، ق، ب. والذي ذكره ابن إسحاق أنه كان «يومئذ مشرك» ولم أجد من ذكر أنه أسلم يومئذ.

الصفحة 282