كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)
يتقربون إليه به.
فلما قدموا المدينة أفاض أهلُ الإفك في الحديثِ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ساكت لا يتكلم، ثم استشار أصحابه في فراقها فأشار عليه عليٌّ بأن يُفارِقها ويأخذَ غيرَها تلويحًا لا تصريحًا، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وبأن لا (¬١) يلتفت إلى كلام الأعداء (¬٢).
فعليٌّ لمّا رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلَّص رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من الهمِّ والغمِّ الذي لحقه بكلام الناس فأشار بحسم الداء؛ وأسامة لمّا علم حبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها ولأبيها، وعلم من عفَّتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ما هي فوقَ ذلك وأعظمُ منه، وعرف من كرامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ربِّه ومنزلته عنده ودفاعِه عنه أنه لا يجعل ربَّةَ بيته وحبيبتَه من النساء وبنتَ صديقه بالمنزلة التي أنزلها بها أرباب الإفك، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمُ على ربه وأعزُّ عليه من أن يجعل تحته امرأةً بغيًّا، وعلم أن الصديقة حبيبةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمُ على ربها من أن يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله (¬٣)؛ فمن قويت معرفةُ الله ومعرفةُ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - وقدرُه عند الله في قلبه قال (¬٤) كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لمَّا سمعوا ذلك:
---------------
(¬١) م، ق، ب، ن: «وأن لا».
(¬٢) قصة الإفك أخرجها البخاري (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة - رضي الله عنها - مطوّلة.
(¬٣) لم يأت جواب «لمّا» في كلام المؤلف، ولعله اكتفى بدلالة السياق عليه، والتقدير أن أسامة لمّا علم كلَّ ذلك أشار عليه بإمساكها وعدم الالتفات إلى كلام الأعداء.
(¬٤) «قال» ساقطة من ص، د، ن.