كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

حرم المتعة، وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» (¬١)، كما قاله سفيان بن عيينة وعليه أكثر الناس، فروى الأمرين محتجًّا عليه بهما، لا مقيدًا لهما بيوم خيبر، والله الموفق.
ولكن هاهنا نظر آخر، وهو: أنه هل حرَّمها تحريمَ الفواحش التي لا تباح بحال، أو حرَّمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابن عباس وقال: «أنا أبحتُها للمضطر كالميتة والدم» (¬٢)، فلما توسَّع فيها مَن توسع ولم يقف عند الضرورة أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلِّها ورجع عنه.
وقد كان ابن مسعود يرى إباحتها ويقرأ: {(٨٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ} [المائدة: ٨٧]، ففي «الصحيحين» (¬٣) عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس لنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: {(٨٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ}.
وقراءة عبد الله هذه الآية عقيب هذا الحديث يحتمل أمرين:
أحدهما: الرد على من يحرمها، وأنها لو لم تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
والثاني: أن يكون أراد آخِر الآية، وهو الرد على من أباحها مطلقًا، وأنه
---------------
(¬١) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٠٢) من طريق سفيان بن عيينة.
(¬٢) سبق تخريجه (ص ٤١٤).
(¬٣) البخاري (٤٦١٥، ٥٠٧٥) ومسلم (١٤٠٤).

الصفحة 570