كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

فلما رجع تعجَّل بعضُ القوم إلى أهليهم فأذن لهم، فتعجَّل عبدُ الله بن حُذافة السَّهمي فأمَّره على من تعجَّل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا يصطلون عليها، فقال: عزمتُ عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم فتحجَّزُوا (¬١) حتى ظَنَّ أنهم واثبون فيها فقال: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مَن أمركم بمعصيةٍ فلا تطيعوه» (¬٢).
قلت: في «الصحيحين» (¬٣) عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريةً واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، ثم قال: أوقدوا نارًا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسمعوا (¬٤)؟ قالوا: بلى، قال: فادْخُلُوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا»، وقال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». فهذا فيه أن الأمير كان من الأنصار (¬٥)، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أمَّره، وأن الغضب حمله على ذلك.
---------------
(¬١) أي اجتمعوا للوثوب. في المطبوع: «فتجهزوا» خلافًا للأصول ولمصادر الخبر.
(¬٢) أخرجه أحمد (١١٦٣٩) وابن ماجه (٢٨٦٣) وابن حبان (٤٥٥٨) من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد حسن.
(¬٣) البخاري (٤٣٤٠، ٧١٤٥) ومسلم (١٨٤٠) واللفظ به أشبه.
(¬٤) في مسلم: «أن تسمعوا لي وتطيعوا». ولفظ البخاري: «أن تطيعوني».
(¬٥) أي: بخلاف عبد الله بن حذافة السهمي، فإنه قرشي مُهاجري.

الصفحة 646