كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ٣١]، فتأخر الخلق كلُّهم، وثبت أتباعُ الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة وقيل: لا تُقبَل العدالةُ إلا بتزكيةِ {الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: ٥٤]، فتأخر أكثر المُدَّعِين للمحبة، وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فسَلِّمُوا ما وقع عليه العقد فـ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: ١١١]، وعقدُ التبايع يوجب التسليم من الجانبين؛ فلما رأى التجّار عظمةَ المشتري، وقدرَ الثمن، وجلالةَ مَن جرى عقد التبايع على يديه، ومقدارَ الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد= عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السِّلَع، فرأوا من الخسران البيِّن (¬١) والغَبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخسٍ دراهمَ معدودةٍ تذهب لذتُها وشهوتها وتبقى تبِعَتُها وحسرتُها، وأنَّ (¬٢)
فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعةَ الرِّضوان رضًى واختيارًا من غير ثبوت خيار، وقالوا: واللهِ لا نُقيلك ولا نَستقيلك، فلما تمَّ العقدُ وسلَّموا المبيعَ قيل لهم: قد صارت نفوسكم وأموالكُم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفرَ ما كانت وأضعافَ أموالِكم معها؛ {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: ١٦٩] لم نُثامِنْكم بنفوسكم (¬٣) وأموالكم طلبًا للربح عليكم، ولكن ليظهر أثرُ الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاءِ عليه أجلَّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمُثْمَن.
---------------
(¬١) ج: «المبين».
(¬٢) أي رأوا أن فاعل ذلك ... إلخ. وفي ز: «فإن» ..
(¬٣) المطبوع: «لم نبتعْ منكم نفوسكَم» خلافًا للأصول.