كتاب المساجد الأثرية في المدينة النبوية

وعن عمرو بن عوف المزني (1) قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعاً واختلف المهاجرون والأنصار في سلمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سلمان منا أهل البيت)).
قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة (2) والنعمان بن مقرن (3) المزني في ستة من الأنصار في أربعين ذراعاً فحفرنا حتى إذا كنا تحت ذوبات، فأخرج الله من بطن الخندق صخرة مرو (4) كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان إِرق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمر، فإنا لا نحب أن نجاوز خطة فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية. فقال له ذلك، فهبط مع سلمان الخندق فأخذ المعول من سلمان فضرب بها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها (5) - يعني المدينة - حتى لكان مصباحاً في جوف بيت مظلم فكبر النبي صلى الله عليه وسلم تكبير فتح ثم ضربها الثانية وذكر مثل ما تقدم ثم ضربها الثالثة.
__________
(1) هو عمرو بن عوف بن زيد المزني أبو عبدالله صحابي من أوائل المسلمين. أحد البكائين، مات في خلافة معاوية رضي الله عنه. الإصابة (3/ 9) رقم الترجمة 5926 تقريب التهذيب رقم الترجمة 5086.
(2) هو حذيفة بن حسل بن جابر من بني عبس: صحابي جليل من الولاة الأبطال الفاتحين، ولاه عمر على المدائن في العراق، وقام بإصلاح بلادهم وفتح بلدان كثيرة منها الدينور وهمذان والري. توفي سنة 36 هـ وهو صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين لم يعلمهم أحداً إلا هو. المعارف لابن قتيبة ص 263، أسد الغابة (1/ 468).
(3) هو النعمان بن مقرن المزني - هاجر مع سبعة إخوته إلى المدينة المنورة - صحابي جليل - أمره عمر على الجيش فغزا إصبهان ففتحها ثم أتى نهاوند فاشتهد بها يوم الجمعة سنة 21هـ المعارف لابن قتيبة ص 299 - تهذيب التهذيب (10/ 456).
(4) المرو حجارة بيض براقة تقدح منها النار - الواحدة مروة وبها سميت المروة بمكة. مختار الصحاح ص 622.
(5) لابة بتخفيف الموحدة الحرة وهي الحجارة السود وقد روى مسملم عن سعد بن أب وقاص مرفوعاً: إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها - والمراد من لابتي المدينة الحرة الشرقية والغربية.

الصفحة 86