ورثاها آخر بقصيدة منها (1) :
بك على قرطبة الزين ... فقد دهتها نظرة العين
أنظرها الدهر بأسلافه ... ثم تقاضى جملة الدين
كانت على الغاية من حسنها ... وعيشها المستعذب اللين
فانعكس الأمر فما إن ترى ... بها سرورا بين إثنين
فاغد وودعها وسر سالما ... ان كنت أزمعت على البين ولابن عصفور الحضرمي في رثائها قصائد كثيرة (2) ، ورثاها آخر وجعل خرابها مسببا عن تهاون أهلها وتقصيرهم في تدبير أمرهم فقال (3) :
أضعتم الحزم في تدبير أمركم ... ستعلمون معا عقبى البوار غدا
لكن العمى أعمت بصائركم ... فألبستكم ثيابا للبلى جددا
يا أمة هتكت مستور سوءتها ... ما كل من ذل أعطى بالصغار يدا نمو النقد الأدبي بعيد الفتنة
وربما لم يكن من البعيد عن الصواب ان نجعل زوال مجد قرطبة في هذه الفتنة مسئولا عن نمو ظاهرتين أدبيتين، الأولى: الميل إلى التراجم الذاتية، فان هذه التراجم إنما انبثقت من الشعور بجمال الماضي، وتغير الحاضر، وتقلب الأحوال في قرطبة، ويمثل هذه الناحية كتاب " طوق الحمامة " لابن حزم ورسالة كتبها ابن شهيد إلى المؤتمن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر، عن ذكرياته في ظل الدولة العامرية (4) وكلاهما من اجمل الأدب الأندلسي الأصيل. والظاهرة الثانية هي استقواء النزعة النقدية بعيد الفتنة، لتخلخل المقاييس واضطرابها في الحياة الاجتماعية
__________
(1) تعليق منتقى من فرحة الأنفس لابن غالب الورقة: 117 وابن عذاري 3: 110
(2) الصلة 1: 35
(3) ابن عذاري 3: 110
(4) الذخيرة 1/1: 163 وانظر الفصل الخاص بترجمة ابن شهيد في هذا الكتاب.